محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

7

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

ممن لم يصحح مقام الفناء عن النفس ، فيرتكب حينئذ مساخط اللّه تعالى ويتعدى حدوده ، ويجعل ذلك حجة لنفسه غلطا وجهلا . وهذا باب من الزندقة والعياذ باللّه سبحانه وتعالى . [ إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية ، وإرادتك الأسباب مع ] إرادتك التجريد مع إقامة اللّه إياك في الأسباب من الشهوة الخفية ، وإرادتك الأسباب مع إقامة اللّه إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية . الأسباب هاهنا ، عبارة : عمّا يتوصّل به إلى غرض ، مما ينال في الدنيا . والتجريد ، عبارة : عن عدم تشاغله بتلك الأسباب [ الدنيوية ] ؛ لأجل ذلك . فمن أقامه الحق تعالى في الأسباب ، وأراد هو الخروج منها ، فذلك من شهوته الخفيّة ، وإنما كانت من الشهوة لعدم وقوفه مع مراد اللّه تعالى به وإرادته هو خلاف ذلك . وإنما كانت خفية ، لأنه لم يقصد بذلك نيل حظ عاجل . وإنما قصد بذلك التقرّب إلى اللّه تعالى بكونه على حال هي أعلى بزعمه ، لكن فاته الأدب بعدم وقوفه مع مراد اللّه تعالى من إقامته إيّاه فيما أقامه فيه ، وتطلّعه إلى مقام رفيع لا يليق به في الوقت . وعلامة إقامته إيّاه في الأسباب أن يدوم له ذلك [ أي : التفاته وطلبه ] وإن تحصل له ثمرته ونتيجته ، وذلك بأن يجد عند تشاغله بالأسباب سلامة في دينه ، وقطعا لطمعه عن غيره ، وحسن نيّة في صلة رحم ، أو إعانة فقير معدم ، إلى غير ذلك من فوائد المال المتعلّقة بالدين . ومن أقامه الحقّ تعالى في التجريد وأراد هو الخروج منه إلى الأسباب ، فذلك انحطاط همّته وسوء أدبه ، وكان واقفا مع شهوته الجليّة ؛ لأن التجريد مقام رفيع أقام الحقّ تعالى فيه خواصّ عباده من الموحّدين والعارفين ، فإذا أقامه الحقّ تعالى مقام الخواصّ فلم ينحط عن رتبتهم إلى منازل أهل الانتقاص ؟ ! قال الشيخ « أبو عبد اللّه القرشي » رضي اللّه عنه : « من لم يأنف من مشاركة الأنداد في الأسباب فهو خسيس الهمّة » وعلامة إقامته إيّاه في التجريد ما ذكرناه من الدوام ووجدان الثمرة ، ومن ثمرات ذلك طيب وقت المتجرّد ، وصفاء قلبه ، ووجدان راحته من ملابسه الخلق ومخالطتهم . والهمّة : حالة للقلب ، وهي : قوة إرادة ، وغلبة انبعاث إلى نيل مقصود ما ، وتكون عالية ، إن تعلّقت بمعالي الأمور ، وسافلة ، إن تعلّقت بأدانيها ، قال الشاعر وأجاد : وقائلة لم علتك الهموم * وأمرك ممتثل في الأمم فقلت : ذريني على حالي * فإن الهموم بقدر الهمم